مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
129
موسوعه أصول الفقه المقارن
محضة غير معتمدة على التأريخ ، هذا أحد أساليب المدارس الفقهية ؛ أمّا المدارس التي اختارت الاهتمام بالتأريخ ، فقد اختلفت مع بعضها بعض من ناحية مقدار هذا الاهتمام ، وكيفية فهم التأريخ وطريقة بلوغ واقعياته ، وتبعاً لذلك تشكلت أساليب تأريخية متعدّدة . وعلى الرغم من أنّ الفقهاء - ومنهم النراقي - لم يذكروا الإلمام بتأريخ الفقه كشرط للاجتهاد ، لكن جدير بنا دراسة ضرورته ودوره في الاجتهاد ؛ لنبيّن ثمراته ونتائجه في الفقه والاجتهاد . الشرط الحادي عشر : معرفة علوم الفصاحة والبلاغة والبديع يمكن اقتفاء أثر هذه العلوم الثلاثة في الاجتهاد في ثلاثة محاور : الأول : الاستعانة بها لإثبات عدم الصدور ، إذا واجهنا روايات حاوية على ركاكة وانحطاط من الناحية اللفظية ، فبإمكان هذه العلوم أن ترشدنا للبحث والتأكد من صحة صدورها أو عدم صدورها . الثاني : الموافاة بمعالم الصدور ، فوجود الفصاحة والبلاغة قرينة على صحة صدور الروايات ؛ قال الوحيد البهبهاني في هذا الخصوص : « ربّما يحصل العلم من جهة الفصاحة والبلاغة بكون الكلام عن الإمام عليه السلام ، فمن هذه الجهة ربّما يكون لهما مدخلية في الاشتراط ، بل البديع أيضاً » « 1 » . الثالث : شق الطريق نحو عمق معاني الآيات والروايات ، حيث إن كان النص مكتوباً من قِبل شخص ذي ذوق سليم ، يكون مفعماً بالمعاني الأدبية الرائعة المفهومة ؛ فلا يمكن الوقوف على عمق نص ما لم يقم فهم مواصفاته وإدراك الألفاظ الواردة فيه ، ولا تستثنى الآيات والروايات من هذه القاعدة ؛ فإنّ فهم الإبداعات الفردية والذوقية المستخدمة فيها ، يفتح مجالًا جديداً لاستيعاب معاني الروايات . إنّ التركيز على الإبداعات الأدبية والتزويقات اللفظية المستخدمة في الآيات والروايات احتلت مكاناً واسعاً ، لكن هذا الموضوع افتقد غضاضته وبريقه في أروقة الأبحاث التقليدية والكلاسيكية لعلوم الفصاحة والبلاغة والبديع . وقد ذهب الوحيد البهبهاني إلى أنّ تلك العلوم من مكملات الاجتهاد « 2 » . الشرط الثاني عشر : علم الكلام ثمّة رأيان في هذا الموضوع : الأول : هو رأى الأعلام الذين يطرحون علم الكلام على أنّه أحد العلوم المطلوبة للاستنباط . ومنهم : أبو الوليد الباجي « 3 » ، والغزالي « 4 » ، والنراقي « 5 » ، والسالمي « 6 » . الثاني : هو رأي من يصرّ على عدم دخل الكلام في الاستنباط ، وعدم حاجته له ، ويشير هؤلاء في دفاعهم عن رأيهم إلى الماهية الاعتقادية لعلم الكلام ، ويقولون : « بما أنّ علم الكلام يصحّح العقائد ، فلا ينبغي أن يتوقّع منه مردود فقهي » « 7 » . وفي مقام الإجابة عن استدلال أصحاب الرأي الثاني
--> ( 1 ) . الفوائد الحائرية : 341 . ( 2 ) . المصدر السابق . ( 3 ) . إحكام الفصول : 722 . ( 4 ) . المستصفى 2 : 201 . ( 5 ) . مناهج الأحكام والأصول : 264 - 265 . ( 6 ) . شرح طلعة الشمس 2 : 276 . ( 7 ) . مناهج الأحكام والأصول : 264 - 265 .